الشيخ محمد هادي معرفة
205
تلخيص التمهيد
فأقلعت عن إرساله - وغيض الماء - النازل من السماء فغاض - » . ثم أتبعه ما هو المقصود من القصّة ، وهو قوله « وقُضي الأمر » أي انجز الموعود من إهلاك الكفرة ، وإنجاء نوح ومن معه في السفينة . ثم أتبعه حديث السفينة ، وهو قوله « واستوت على الجودي » . ثم ختمت القصّة بما ختمت . هذا كلّه نظر في الآية من جانبي البلاغة . 3 - وأمّا النظر فيها من جانب « الفصاحة المعنوية » فهي - كما ترى - نظم للمعاني لطيف ، وتأدية لها ملخّصة مبيّنة ، لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ، ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد . بل إذا جرّبت نفسك عن استماعها وجدت ألفاظها تسابق معانيها ، ومعانيها تسابق ألفاظها . فما من لفظة في تركيب الآية ونظمها تسبق إلى اذنك إلّاومعناه أسبق إلى قلبك . 4 - وأمّا النظر فيها من جانب « الفصاحة اللفظية » فألفاظها - على ما ترى - عربية مستعملة ، جارية على قوانين اللغة ، سليمة عن التنافر ، بعيدة عن البشاعة ، عذبة على العذبات ، سلسلة على الإسلاسات ، كلّ منها كالماء في السلاسة ، وكالعسل في الحلاوة ، وكالنسيم في الرقّة . قال : وللَّه درّ شأن التنزيل ، لا يتأمل العالم آية من آياته إلّاأدرك لطائف لا تسع الحصر ، ولا تظنّن الآية مقصورة على ما ذكرتُ ، فلعلّ ما تركتُ أكثر ممّا ذكرت ، لأنّ المقصود لم يكن إلّامجرّد الإرشاد لكيفية اجتناء ثمرات علمي « المعاني والبيان » وأن لا علم في باب التفسير - بعد علم الأصول - أقرأ منهما على المرء لمراد اللَّه تعالى من كلامه ، ولا أعون على تعاطي تأويل مشتبهاته ، ولا أنفع في درك لطائف نُكته وأسراره ، ولا أكشف للقناع عن وجه إعجازه . هو الذي يوفي كلام ربّ العزّة من البلاغة حقّه ، ويصون له في مظانّ التأويل ماءه ورونقه « 1 » .
--> ( 1 ) . مفتاح العلوم : ص 196 - 199 .